English
s

هل يمكن أن تغيّر فضيحة بيانات فيسبوك القوانين التي تحكم شركات التكنولوجيا؟

Untitled Zucc ARA

هل نشهد في يومنا هذا انتقالاً جذرياً للسلطة بين شركات التكنولوجيا العالمية العملاقة والحكومات؟

 

قد يكون هذا الأمر ممكناً جداً؛ فبالنظر إلى تاريخ تطور شركات مثل "فيسبوك" و"غوغل"  و"تويتر"، يُشكّل عام 2018 نقطة تحول بارزة.

 

 

 

اليوم، يجد قطاع التكنولوجيا نفسه خاضعا لتدقيق غير مسبوق، بعد أن كان قد تُرك إلى حدّ كبير ليضع سياساته بنفسه وكان متحرراً من أعباء التشريعات. ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى الفضيحة التي تحيط بـ"فيسبوك" و "كامبريدج أناليتيكا" بشأن خرق خصوصية البيانات، التي من شأنها أن تفضي إلى تسريع التحركات الهادفة إلى السيطرة على هذا القطاع.

 

زوكربيرغ يعتذر

أقرّ مؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرغ، بعد أيام من الضغوط الإعلامية، بأنّ شبكة التواصل الاجتماعي "اقترفت أخطاء" أدّت إلى استغلال البيانات الخاصة بملايين مستخدمي "فيسبوك" من قبل شركة استشارات سياسية.

 

ووردت تعليقات السيد زوكربيرغ رداً على تحقيقٍ اتهم "كامبريدج أناليتيكا" باستخدام البيانات لصالح عملاء سياسيين، من بينهم الحملة الانتخابية لدونالد ترامب.

 

السيد زوكربيرغ قال إن ما حصل هو "خرقٌ للثقة" وتعهد بأن يجعل جمع بيانات المستخدمين أكثر صعوبة. كما صرح في مقابلات لاحقة بأنّه "آسف جداً" وقطع وعدا بالتحرك ضد "التطبيقات المشبوهة".

 

ما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة؟

في عام 2014، دعا موقع "فيسبوك" مستخدميه لإتمام اختبار بسيط من أجل معرفة نوع شخصيتهم. الاختبار كان عبارة عن تطبيق طوّره الباحث في جامعة كامبريدج، الدكتور أليكساندر كوغان، تحت اسم "هذه حياتك الرقمية" (This is Your Digital Life).

 

التطبيق جمع بيانات نحو 270,000 مستخدم، إضافة إلى استخلاصه بيانات عامة عن أصدقائهم. وقال أحد المبلّغين، كريستوفر ويلي، إن التطبيق جمع في النهاية بيانات نحو خمسين مليون شخص.

 

ويزعم السيد ويلي أنّ البيانات بيعت لشركة "كامبريدج أناليتيكا" (شركة غير مرتبطة بالجامعة)، التي قامت بدورها باستخدامها لتصنيف الناس من منظور علم النفس، من أجل استهدافهم بإعلانات سياسية مصممة خصيصاً لهم.

 

 

 

ويقول كوغان إن هذا لم يكن في نيته على الإطلاق، وإنه "صُعق" باستخدام بحثه "القانوني للغاية"، الذي سعى لقياس سعادة مستخدمي "فيسبوك"، كأداة سياسية.

 

وصرّح القائمون على "فيسبوك" أنّه على الرغم من جمع البيانات بشكل شرعي، إلّا أنّهم طلبوا من "كامبريدج أناليتيكا" أن تحذفها، لكن الشركة تجاهلت هذا الطلب.

 

وفي هذه الأثناء، تم إيقاف الرئيس التنفيذي لـ"كامبريدج أناليتيكا"، أليكساندر نيكس، عن العمل بعد أن تم تسجيل محادثة له بشكل سري قال خلالها إن الشركة أدارت حملة دونالد ترامب الانتخابية الرقمية خلال الانتخابات الأمريكية في عام 2016.

 

من جهة أخرى تنكر "كامبريدج أناليتيكا" ارتكاب أيّ مخالفات وتصرّ على أنّ تعليقات السيد نيكس "محرفة بشكل كبير". كما تقول الشركة إنّها قامت بحذف البيانات عندما طُلب منها ذلك.

 

رد الفعل التنظيمي

مع مرور الوقت، تغدو التفاصيل بشأن من قام أو لم يقم بالأمر، أو متى قام به، أقلّ أهميةً من الأثر الذي أحدثته القضية حول العالم.

 

فمنذ الكشف عن القصة، برزت رغبة جديدة لدى المشرّعين للمشاركة في هذا النقاش.

 

فقد استدعى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي زوكربيرغ للإدلاء بشهادته أمام الكونغرس وتفسير كيفية قيام شركة "فيسبوك" بحماية مستخدميها البالغ عددهم ملياري شخص؛ وعلى صعيد قد يكون أكثر أهميةً، وردت أنباء تشير إلى أن لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية فتحت تحقيقاً بخصوص الشركة.

 

ويقول البرلمان الأوروبي إنه سيحقق في إمكانية إساءة استخدام البيانات، كما دعت لجنةٌ برلمانية في المملكة المتحدة زوكربيرغ إلى تقديم أدلة بشأن استخدام "فيسبوك" للبيانات الشخصية للمستخدمين.

 

 

إضافة إلى ذلك، صرحت الجهات الرقابية المسؤولة عن الخصوصية بدبلن في إيرلندا أنّها تناقش القضية مع "فيسبوك" بغية توضيح دورها الرقابي. وتُعتبر هذه المؤسسة الإيرلندية جهة رائدة في تنظيم عمل "فيسبوك" في الاتحاد الأوروبي لأنّ المقر الأوروبي للشركة يقع في دبلن.

 

هل يمكن تنظيم البيانات بطريقة مختلفة؟ 

اعتادت "فيسبوك" وغيرها من الشركات التكنولوجية الرئيسية على وضع لوائحها التنظيمية بشكل ذاتي.

 

لكن أحد الأسباب التي تجعل من قصة "كامبريدج أناليتيكا" بالغة الأهمية، هو أنّها سلطت الضوء على قضية عدم نجاح التنظيم الذاتي في بعض الأحيان.

 

"فيسبوك" تقول إنها أصرت على حذف هذه البيانات فور علمها باستخدام "كامبريدج أناليتيكا" لمعلومات الدكتور كوغان لأغراضٍ غير مرخص لها. لكن التقارير الصحفية تشير إلى أن "فيسبوك" لم تتخذ أي إجراءات لمعاقبة الشركة عندما رفضت "كامبريدج أناليتيكا" الامتثال للطلب.

 

وباتت السياسات الحالية للمنصّة أكثر صرامة مما كانت عليه في الأعوام الأولى لتأسيسها، لكن يبدو من المرجح أنّ يكون ذلك غير كاف بالنسبة للعديد من المشرعين الذين قد يشعرون بأنّ التنظيم الذاتي، كمفهوم بحت، سيكون دائما أضعف من المطلوب.

 

زيادة الضرائب

تأتي ردة الفعل على فضيحة البيانات في وقت تشهد فيه الشركات التكنولوجية بالفعل اهتماماً متزايداً من المشرعين، خاصة في أوروبا.

 

"غوغل" على سبيل المثال رفعت استئنافا على قرار غرامة مالية تبلغ 2.4 مليار يورو فرضها عليها المشرعون في الاتحاد الأوروبي بسبب إساءة استخدام هيمنتها على سوق محركات البحث، وبشكل أكثر دقة خدمة مقارنة التسوق التي تقدمها.

 

 

على صعيد متصل، ناقش الاتحاد الأوروبي خلال الأيام القليلة الماضية طرقاً لزيادة الضرائب التي تتم جبايتها من الشركات التكنولوجية، بعد الانتقادات بأنّ العديد منها دفعت تاريخياً مبالغ ضئيلة جداً.

 

وقت التغيير؟

مرت "فيسبوك" بلا شكّ بأسبوع عصيب، حيث انخفضت قيمة أسهمها ولقيت حملة احذفوا "فيسبوك" اهتماماً واسعاً. وبالتأكيد ستصمد الشركة في وجه العاصفة، ومن المرجح أن يكون الأثر الفوري محدوداً. لكن من المحتمل أن تتغير الأمور بشكل كبير على المدى الطويل بالنسبة لجميع شركات التكنولوجيا، والطريقة التي يتعامل فيها المشرعون مع سلوكها.

 

ويبدو أنّ أيام التنظيم الذاتي لعمالقة التكنولوجيا باتت معدودة مع وجود حشد من المشرعين الذين يتطلعون إلى اتخاذ موقف أكثر صرامةً.