English
s

منارة للتجديد الحضري: كيف حولت دندي نفسها في مرحلة ما بعد الصناعة

The Conversation beacon of urban renewal Dundee Shutterstock Abi Warner 747716437

لقد ساهم الإبداع والثقافة دائماً إسهاماً كبيراً في تطور مجتمعاتنا، لكن الأعوام الأخيرة شهدت تزايد إدراك قيمة الفنون كدافع اقتصادي.

 

وتنبهت المدن إلى حقيقة أن تقديم عرض ثقافي نابض بالحياة يجعل الناس يريدون أن يعيشوا هناك، وإنّ الأرقام تدعم هذه الفرضية. وتعتبر نيويورك موطن ما يقرب من 14 ألف شركة ذات صلة بالفنون توظف 300 ألف شخص تقريباً وتولد إيرادات بقيمة 230 مليار دولار أمريكي سنوياً. وتبلغ قيمة القطاع الإبداعي في لندن 35 مليار جنيه استرليني ويعمل فيه 800 ألف شخص تقريباً.

 

قد تكون هذه الحال في المدن العالمية الضخمة، ولكن في دندي، وهي مدينة صغيرة على الساحل الشرقي لاسكتلندا، تنتج الصناعات الإبداعية عائداً سنوياً إجمالياً بقيمة 190 مليون جنيه استرليني وتوفر فرص عمل لنحو 3 آلاف شخص. وإنّ عدد سكان المدينة الذي يبلغ 150 ألف يشير إلى أهمية القطاع الثقافي لرفاهها الاقتصادي.

 

مدينة النهضة

تعتبر دندي مدينة ديناميكية تحمل هوية ثقافية راسخة وتاريخاً من الابتكار والإبداع. ولكن بحلول أواخر الثمانينات، حوّل التدهور الشديد في مرحلة ما بعد الصناعة المدينة التي كانت فخورة ومنفتحة على العالم، إلى ظل مجزأ لسابق عهدها.

والآن أصبحت المدينة التي تشتهر بنسيج الجوت والمربى والصحافة، وهي ثلاثة أمور حدّدت ملامح اقتصادها وسمعتها العالمية، موطناً لقطاع وسائل الإعلام الرقمية المزدهرة والجامعات المحترمة دولياً، ولاكتشاف الأدوية والتطورات الطبية المشهورة عالمياً، ناهيك عن القطاع الإبداعي ذي التصميم الحيوي.

 

وقد بدأ مبنى متحف فيكتوريا وألبرت الجديد الذي أنشأه كينغو كوما والذي يندرج في صميم تجديد الواجهة البحرية في مدينة دندي بقيمة مليار جنيه استرليني، يترك بالفعل أثراً تحويلياً، مع تدفق الاستثمارات إلى المدينة وانتشار الشركات الناشئة لخدمة أعداد السياح المنتظر قدومهم.

 

وفي سياق الإشارة إلى "الاقتصادات الجديدة" للمدن في مرحلة ما بعد الصناعة، قال الخبير الاقتصادي ألين سكوت: "إن أشكال النظام الاقتصادي الغريبة المتزايدة اليوم تمثل تحولاً ملحوظاً عن هياكل الإنتاج المكثفة وأسواق العمل الجامدة التي شكلت الطابع العام لمرحلة الفوردية ... وهي تتألف من قطاعات مثل الصناعات التكنولوجيا الرفيعة؛ والتصنيع من قبل الحرفيين الجدد؛ والأعمال التجارية والخدمات المالية؛ وقطاعات المنتجات الثقافية ’بما في ذلك وسائل الإعلام‘".

 

وبالتأكيد، هذا وصف مناسب لمدينة دندي المعاصرة، حيث يصبح الحل قائماً على دعم المواهب المتنوعة والغنية والحفاظ عليها.

 

رحلة إعادة الاكتشاف

 

سيفتتح متحف فيكتوريا وألبرت (V&A) قريباً أول مبنى له خارج لندن مقترناً بلقب "مدينة التصميم" الذي منحته إياه منظمة "يونسكو"، ما يعني أنه سيتم الاعتراف أخيراً بمدينة دندي بوصفها مقر متحف التصميم. وجاءت هاتان المبادرتان نتيجة الإصرار المستمر لمجموعات من الأشخاص الشغوفين داخل المدينة، الذين يؤمنون بالمدينة ولن يعيشوا في أي مكان آخر، فلماذا الرحيل بينما تستطيع المساعدة في البناء؟

 

ويعدّ النموّ الذي يشهده الاقتصاد الإبداعي والثقافي حقيقة ثابتة بأدلة واضحة، ويمكن لمدن أصغر مثل دندي أن تغتنم الفرصة لتحصل على نصيبها في السوق. وإنّ اللبنات اللازمة للبناء موجودة بالفعل، إذ تتمتع المدينة بموارد كبيرة من المواهب التي تنمّيها جامعات دندي وايبرتاي، وموقع ساحلي رائع مع ثروة من التراث المحلي.

Dundee

ولا يخفى هذا النمو والتحول الذي شهدته دندي على الجمهور المتنامي للسياحة الثقافية. ويمكن للمشهد الثقافي المزدهر أن يحقق نمواً هائلاً في كل من السياحة والاستثمار الداخلي. فهو لا يوفر مكاناً يجتذب الزوار فحسب، بل مكاناً مناسباً للعيش والدراسة والعمل أيضاً، ويؤدي ذلك بدوره إلى توليد الشعور بالفخر المدني، وهوية قوية وثقة متزايدة بالنفس.

 

الدروس المستفادة

 

إنّ الطريق الذي سلكته دندي نحو "إعادة الاكتشاف" من شأنه أن يقدم الكثير للمدن أخرى، فهو لا يرتكز على طموح أو نجاح فرد معين بل يمثل شراكة قوية بين الحكومة والسلطات المحلية والوكالات والقطاع والدوائر الأكاديمية والتعليمية، حيث اتفقت المنظمات والأفراد المتشابهين في طريقة تفكيرهم على رؤية مشتركة.

Dundee2

واعتبر الكثيرون أنّ إنشاء مركز الفنون المعاصرة في دندي (DCA) كان بمثابة نقطة تحول لهذا التغيير الثقافي. افتُتح مركز (DCA) عام 1999، ولكن فكرة إنشاء مركز للفنون البصرية في دندي ظهرت في أوائل الثمانينات بهدف إنعاش المشهد الصناعي المتدهور.

 

ساهم إنشاء مركز للعلوم البيولوجية في جامعة دندي في تركيز الاهتمام من جديد بشكل فعال على اكتشاف الأدوية في كل من الأوساط الأكاديمية والشركات الناشئة. واستفادت هذه الهوية الجديدة، التي يطلق عليها "بيو-دندي"، من أفكار مجموعة كبيرة من العلماء والشركات المتواجدة في منطقة يبلغ نصف قطرها ثلاثة أميال. وجذبت فرص النمو على نطاق عالمي المواهب إلى دندي من جميع أنحاء العالم، وأرادت المواهب السكن اللائق والمدارس الجيدة، وتقديم الخدمات الثقافية والترفيهية.

 

وفي أواخر الثمانينات وحتى منتصف التسعينات، كان هناك قطاع جديد قيد التشكيل في دندي. ونتيجة إغلاق مصنع "تايمكس" الذي كان ينتج أجهزة الكمبيوتر "زد إكس سبكتروم"، بدأ قطاع ألعاب الكمبيوتر لغرف النوم بالظهور، مع ابتكار لعبة "ليمنغز" التي حققت نجاحاً عالمياً وبعدها لعبة الفيديو "غراند ثيفت أوتو" تجسيداً لطموحها.

 

وخلال التسعينات، نمت مجمّعات قطاع الألعاب، حيث قامت جامعة ايبرتاي بإطلاق أول برنامج شهادة لألعاب الكمبيوتر في العالم ما أدّى إلى جذب الطلاب وغيرهم من المبدعين إلى المدينة، التي كانت تحصل حينها على إشادة دولية. وأنشأت المؤسسة الاسكتلندية "تايسايد" وكالة دعم الأعمال "إنترآكتيف تايسايد" (Interactive Tayside)، وتم وضع استراتيجية صناعية.

 

ومنذ ذلك الوقت، تمكنت المدينة من الاحتفاظ بالمواهب الإبداعية وجذبها من جميع أنحاء العالم، ما أدّى إلى ارتفاع في الطلب والنشاط والتنمية. باختصار، قام الأشخاص بالمجازفة، واستثمروا حياتهم، وحققوا النجاح، وأحيطت الحكومة علماً بذلك. وسرعان ما تبعهم الاستثمار.

 

إنّ تطور المدينة المستمر هو جزء من رحلة بدأت منذ قرون مع الإنجازات الرائعة التي حققتها دندي في الاستكشاف والتجارة والاتصالات، ويستند هذا التطور إلى النشاط الحقيقي ونمو السكان الأصليين. واتسعت أنشطة الكتان والمنسوجات، والتعليم، ونسيج الجوت، والمربى، والصحافة، والأدوية، والبحوث الطبية، وألعاب الكمبيوتر والقطاعات الإبداعية والثقافية انطلاقاً من الأنشطة التي بدأها مواطنو دندي، في مشهد مادي وسياسي يتسم بالصعوبة والتكامل على حد سواء ويتغير مع الزمن.

 

لا تتمحور دندي حول إعادة تشييد المواقع وتطوير المباني ومن ثم تحفيز استخدامها، بل هو في الواقع العكس تماماً: نشاط قوي وكادح ومبتكر يجذب المزيد من التمويل الإنمائي. ولطالما ارتكزت دندي على التكيف مع التغيير واستطلاع فرص جديدة، وقد بدأت رحلة اكتشاف جديدة.